تاريخ العدد: 8/9/2010   
بحث
  قانون العقوبات وحماية المصريين في‮ ‬الخارج

إذا كانت نصوص قانون العقوبات تستهدف مكافحة الجرائم وملاحقة مرتكبيها وعقابهم زجرا لهم وردعا لغيرهم من الوقوع أو الانزلاق الي‮ ‬هاوية الجريمة إلا أن بعدا آخر لقانون العقوبات وهدفا مماثلا لا‮ ‬يمكن الالتفات عنه‮ ‬يتعلق بحماية المجني‮ ‬عليهم الذين وقعت الجريمة عليهم إضرارا بمصالحهم المشروعة التي‮ ‬يحميها القانون،‮ ‬فلا ريب أن ميزان العدالة‮ ‬يقتضي‮ ‬أن‮ ‬يكون هؤلاء المجني‮ ‬عليهم محلا لعناية القانون وموضوعا لحمايته بحيث‮ ‬يكون من أهداف القانون رد الحقوق السليبة لأصحابها والدفاع عنهم ضد كل عدوان وقع عليهم،‮ ‬ومن هذا المنطلق وذلك الفهم أصبح التساؤل الملح في‮ ‬الفترات الأخيرة‮ : ‬ما الدور الذي‮ ‬يؤديه قانون العقوبات لحماية المصريين في‮ ‬الخارج؟‮!‬ وفي‮ ‬حقيقة الأمر فإن هذا التساؤل لم‮ ‬يكن مطروحا في‮ ‬الماضي‮ ‬سوي‮ ‬في‮ ‬حلقات العلم والفقه الجنائي‮ ‬وفي‮ ‬أوساط المتخصصين إلا أن الفترة الأخيرة وما صاحبها من تعرض المصريين خارج الوطن لاعتداءات وجرائم جسيمة جعل هذا التساؤل‮ ‬يتردد علي‮ ‬ألسنة العامة بعد أن كان مقصورا علي‮ ‬المتخصصين،‮ ‬وفي‮ ‬نظرة سريعة الي‮ ‬نصوص قانون العقوبات المصري‮ ‬يتضح أنه قد اعتمد لنطاق سريانه من حيث المكان معايير ثلاثة‮:‬ أولها هو معيار الإقليمية ومؤداه أن كل جريمة تقع علي‮ ‬الإقليم المصري‮ ‬سواء البري‮ ‬أو البحري‮ ‬أو الجوي‮ ‬أيا كان شخص أو جنسية مرتكب تلك الجريمة فهي‮ ‬تحضع لأحكام قانون العقوبات المصري‮ ‬ويختص بها تبعا القضاء المصري‮.‬ أما المعيار الثاني‮ ‬فهو العينية ومؤداه أن جرائم بعينها وبغض النظر عن مكان ارتكابها ـ أي‮ ‬حتي‮ ‬لو وقعت خارج البلاد ـ وأيا كان شخص أو جنسية مرتكبيها فهي‮ ‬تخضع لأحكام القانون المصري‮ ‬ومن أمثلتها الجرائم المضرة بأمن الدولة‮.‬ أما المعيار الثالث والأخير فهو معيار الشخصية التي‮ ‬يهتم بجنسية مرتكبي‮ ‬الفعل بصرف اتلنظر عن مكان ارتكابه وفقا لهذا المعيار الذي‮ ‬نص عليه المشرع في‮ ‬المادة الثالثة من قانون العقوبات فإن القانون المصري‮ ‬يسري‮ ‬علي‮ ‬كل جريمة‮ ‬يرتكبها مصري‮ ‬خارج البلاد بشروط محددة في‮ ‬تلك المادة،‮ ‬وما‮ ‬يلفت النظر أن قانون العقوبات المصري‮ ‬قد خلا كلية من نص صريح‮ ‬يسمع لمحاكمة أو معاقبة الأجانب الذين‮ ‬يرتكبون جرائم ضد مصريين خارج مصر،‮ ‬وبعبارة أخري‮ ‬فإن قانون العقوبات بوضعه الحالي‮ ‬ليس له سلطان علي‮ ‬المجرمين الأجانب الذين‮ ‬يرتكبون جرائمهم التي‮ ‬يكون المجني‮ ‬عليه فيها مصريا وتقع خارج نطاق القطر المصري،‮ ‬وإزاء هذا الوضع التشريعي‮ ‬المقصور عن ملاحقة هؤلاء المجرمين،‮ ‬وفي‮ ‬ظل ما كشف عنه الواقع من تعرض المصريين لجرائم ترتكب في‮ ‬حقهم خارج البلاد فإننا نعيد ما اقترحناه من قبل بوجوب التدخل التشريعي‮ ‬بتعديل المادة الثالثة من قانون العقوبات بإضافة فقرة جديدة لها تسمح بسريان أحكام قانون العقوبات وتبعا انعقاد الاختصاص للقضاء المصري‮ ‬علي‮ ‬الجرائم التي‮ ‬ترتكب خارج مصر من أجانب ويكون المجني‮ ‬عليهم فيها من المصريين‮.‬ ويجد هذا الاقتراح مبرراته في‮ ‬أن المشرع في‮ ‬المادة الثالثة قد مد أحكام قانون العقوبات علي‮ ‬جرائم تقع خارج الإقليم لمجرد أن مرتكب الجريمة‮ ‬يحمل الجنسية المصرية أي‮ ‬أنه في‮ ‬الحقيقة لا مصلحة فعلية لمصر في‮ ‬محاكمة هذا المصري‮ ‬لأن الجريمة التي‮ ‬وقعت لم تمس مصالح مصر ولم تخترق قوانينها ولا تنال من سيادتها وإنما لاعتبارات تتعلق بالعدالة والتعاون الدولي‮ ‬في‮ ‬مكافحة الجريمة رأي‮ ‬المشرع أنه من الأوفق سريان أحكام قانون العقوبات علي‮ ‬المصري‮ ‬مرتكب الجريمة في‮ ‬هذه الحالة خاصة أنه وفقا لمبدأ السيادة فإن مصر لن تسلمه الي‮ ‬دولة أخري‮ ‬لمحاكمته‮.‬ فإذا كان الأمر كذلك فمن باب أولي‮ ‬وقد وقعت الجريمة علي‮ ‬مصري‮ ‬بما‮ ‬يحقق مصلحة فعلية لمصر في‮ ‬ملاحقة الجاني‮ ‬أن‮ ‬ينعقد الاختصاص للقانون وللقضاء المصري‮.‬ وقد‮ ‬يثور تساؤل حول الفائدة العملية من محاكمة الأجنبي‮ ‬في‮ ‬هذه الحالة رغم أنه لن‮ ‬يكون مجودا في‮ ‬مصر‮: ‬والرد علي‮ ‬ذلك أن النص المقترح‮ ‬يسمح بتلافي‮ ‬الحالات التي‮ ‬ترتكب فيها جرائم ضد مصريين وتثبت الأدلة علي‮ ‬الجناة ولأسباب أو أخري‮ ‬ـ قد تكون سياسية ـ لا تقوم الدولة التي‮ ‬ارتكب الفعل علي‮ ‬أرضها بملاحقة الجناة،‮ ‬وكذلك الحال إذا وقعت الجريمة في‮ ‬مكان لا‮ ‬يخضع لسيادة بلد معين‮.. ‬كما هو الحال في‮ ‬أعالي‮ ‬البحار كما انه‮ ‬يتيح محاكمة الجناة‮ ‬غيابيا في‮ ‬مصر وعند صدور أحكام بإدانتهم‮ ‬يتم إدراجهم علي‮ ‬النشرة الدولية والتي‮ ‬بمقتضاها‮ ‬يمكن تعقب الجاني‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬دولة في‮ ‬العالم بما‮ ‬يجعله بالفعل محبوسا في‮ ‬دولته لا‮ ‬يستطيع مغادرتها،‮ ‬والدليل علي‮ ‬صحة ذلك ما حدث في‮ ‬عام‮ ‬1989‮ ‬مع الأخضر بلومي‮ ‬قائد المنتخب الجزائري‮ ‬عند ارتكابه جناية ضرب أفضي‮ ‬الي‮ ‬عاهة ضد طبيب مصري‮ ‬في‮ ‬فندق شيراتون هيلوبوليس في‮ ‬أعقاب هزيمة المنتخب الجزائري‮ ‬من المنتخب المصري‮ ‬وبسبب انعقاد الاختصاص لقانون العقوبات المصري‮ ‬لأن الجريمة وقعت في‮ ‬مصر أمكن محاكمته‮ ‬غيابيا بسبب هروبه وتم إدراجه علي‮ ‬النشرة الدولية باعتباره مجرما مطلوب القبض عليه وظل عشرين سنة من‮ ‬1978‮ ‬حتي‮ ‬2009‮ ‬لا‮ ‬يستطيع مغادرة الجزائر وحاول محاولات جاهدة بوساطة عديدة الي‮ ‬أن تم تسوية المسألة صلحا عام‮ ‬2009‮ ‬قبل مباراة والجزائر الأولي‮ ‬في‮ ‬مدينة عنابة وتظهر أهمية هذا الاقتراح في‮ ‬شأن الأحداث التي‮ ‬تمت علي‮ ‬أرض السودان الشقيق إذ‮ ‬يتيح هذا النص حال عدم قيام السودان بتحريك الدعاوي‮ ‬الجنائية عن المتهمين الذين ألقت السلطات الأمنية السودانية القبض عليهم وملاحقة هؤلاء الجناة ومحاكمتهم في‮ ‬مصر طبقا لأحكام قانون العقوبات المصري‮ ‬استنادا الي‮ ‬أن المجني‮ ‬عليهم من المصريين‮.‬ ولذلك فإن الواقع العملي‮ ‬ـ خاصة في‮ ‬ظل الاعتداءات الأخيرة التي‮ ‬تعرض لها المصريون في‮ ‬السودان من الجمهور الجزائري‮ ‬ـ كشفت عن وجوب أخذ هذا الاقتراح بمزيد من الجدية لا سيما أن العديد من الدول التي‮ ‬بلغت مبلغا كبيرا في‮ ‬التحضر القانوني‮ ‬قد أخذت بهذا الاقتراح لتبسط علي‮ ‬مواطنيها حماية قانونية‮ ‬يمكن تفعيلها إذا تقاعست الدولة التي‮ ‬ارتكب الفعل علي‮ ‬أرضها عن ملاحقة الجناة أو معاقبتهم‮. ‬وقد عرف هذا الاقتراح طريقه الي‮ ‬مجلس الشعب في‮ ‬اليومين الماضيين ونتمني‮ ‬من المجلس الموقر خاصة أن نوابه كانوا شهودا علي‮ ‬ما تعرض له المصريون من اعتداء بل كانوا أنفسهم من المجني‮ ‬عليهم أن‮ ‬يناقشوا هذا الاقتراح مناقشة مستفيضة تنتهي‮ ‬بخروجه الي‮ ‬النور في‮ ‬شكل تشريع‮ ‬يحفظ للمصريين كرامتهم ويشكل حماية قانونية لهم في‮ ‬مواجهة ما‮ ‬يقع عليهم من جرائم خارج البلاد خاصة أن الاستاذ الدكتور أحمد فتحي‮ ‬سرور قبل أن‮ ‬يكون رئيسا لمجلس الشعب فهو عمدة الفقه الجنائي‮ ‬في‮ ‬مصر والعالم العربي‮ ‬ومن أكثر الفقهاء الذين نادوا علي‮ ‬صعيد الفقه الجنائي‮ ‬بالتعديل المقترح وهو ما‮ ‬يوفر لمناقشه في‮ ‬المجلس مناخا صحيا‮ ‬يستشرف معه ما نتمناه من إقراره كقانون‮ ‬يشكل سياج الحماية المأمول‮.‬
   مقالات أخري للكاتب
بطء التقاضي‮.. ‬الداء والدواء

تناولنا كثيراً‮ ‬في‮ ‬هذه المساحة وعلي‮ ‬مدار سلسلة طويلة من المقالات تشخيصاً‮ ‬أميناً‮ ‬لبعض مشكلات التقاضي‮ ‬المزمنة وعرضنا حلولاً‮ ‬مقترحة إن لم تفلح في‮ ‬القضاء علي‮ ‬الداء فإنها بالقليل سوف تقلص من تأثيره السلبي‮ ‬علي‮ ‬المواطن المصري‮ ‬عند مباشرته لحق التقاضي‮ ‬المكفول دستورياً‮.‬ ومن بين أهم المشكلات التي‮ ‬يعاني‮ ‬منها واقع التقاضي‮ ‬المصري‮ ‬والتي‮ ‬تعتبر عقبة حقيقية في‮ ‬طريق ومسيرة العدالة هي‮ ‬مشكلة التضخم الرهيب والعدد المفزع للطعون الجنائية المتراكمة أمام محكمة النقض‮. ‬وفي‮ ‬نظرة سريعة إلي‮ ‬عدد قضاة النقض في‮ ‬مصر والذين لا‮ ‬يتجاوزون ثلاثمائة قاض موزعين علي‮ ‬دوائر المحكمة المختلفة من جنائية إلي‮ ‬مدنية وتجارية، التفاصيل 
الأزمة الصحية للرئيس‮.. ‬وشفافية المعالجة

إذا كان من المألوف والمعتاد أن نقرأ في صحف المعارضة مقالات ترصد عيوب النظام أو أوجه القصور في أداء الحكومة وهو أمر طبيعي لأن عين المعارض الذي يجلس في موقع المراقب للحدث تري ما لا قد تراه أعين المسئولين الذين يصنعون الحدث أو يشاركون فيه ولكن المعارضة الناضجة الأمينة تقتضي تقديم التحية للنظام حينما تكون تلك التحية واجبة ومستحقة فمن المرات القليلة والنادرة التي احترم فيها النظام الشعب واعترف بحقه في معرفة الحقيقة والمعلومة الصحيحة‮ ‬غير المزيفة كانت في الأزمة الصحية الأخيرة التي مر بها الرئيس مبارك التي اقتضت تدخلاً‮ ‬جراحياً‮ ‬من فريق طبي متخصص في إحدي المصحات الألمانية فقد كشفت هذه الأزمة عن صراحة كاملة لم نعهدها من النظام منذ الوهلة الأولي للأزمة وكانت هناك تغطية أمينة وواضحة ومتتابعة عن كل صغيرة وكبيرة عن الحالة الصحية للسيد الرئيس التفاصيل 
تقليب المواجع

بين الحين والآخر تحدث بعض المشكلات والأزمات التي لا يمكن المرور عليها مرور الكرام حتي لو تم حلها والانتهاء منها،‮ ‬وهذا الصنف من المشكلات والأزمات هو الذي يقلب علينا المواجع ويعيد إلي الأذهان تساؤلات عديدة عن حالة العشوائية التي تعيشها الحكومة في مواجهة الأزمات‮.. ‬وقد نادينا ونادي الكثيرون معنا مراراً‮ ‬وتكراراً‮ ‬بوجوب أن يكون لدينا إدارة خبيرة ومنظمة للأزمات،‮ ‬لكن للأسف الشديد حكوتنا أدمنت التعايش مع الأزمات وأدمنت معها العشوائية والتردد في مواجهتها وفي كل مرة نواجه أزمة أو مشكلة تطالعنا الصحف بعبارات ومانشتات قوية ومؤثرة حول الإجراءات المتخذة في مواجهة الأزمة والمتسببين فيها وكيفية تلافي أسبابها في المستقبل ولكن للأسف شيئاً‮ ‬من ذلك لا يحدث وتعود تلك التصريحات الحنجورية للظهور مرة أخري مع ظهور أول أزمة جديدة‮. التفاصيل 
حكومتنا‮.. ‬تحترم القانون
حكومتنا‮.. ‬تحترم القانون
أحدثت الفتوى القانونىة الصادرة عن مجلس الدولة المصرىة بشأن بطلان تعىىن محمد إبراهىم سلىمان وزىر الإسكان السابق رئىساً‮ ‬لمجلس إدارة إحدى شركات البترول جدلاً‮ ‬قانونىاً‮ ‬واسعاً‮ ‬فى الفترة الأخىرة،‮ ‬وعلى الرغم من أن وزىر الإسكان السابق قد استقال من مجلس الشعب المصرى وبالتوازى التزمت وزارة البترول بتنفىذ مقتضى الفتوى وترك منصبه كرئىس لمجلس إدارة الشركة إلا أن الجدل القانونى لم ىنته واستمر الحدىث والتساؤل حول هذه الفتوى من جانب وازداد التساؤل عن موقف الحكومة منها من جانب آخر‮.. التفاصيل 
12345678910...
الصفحة الرئيسيةاتصل بنا |  من نحن   |  اعلن معنا   |    حزب الوفد
جريدة الوفد - 2008 - جميع الحقوق محفوظة