تاريخ العدد: 8/9/2010   
بحث
  مصر والقومية العربية‮ ‬

أثارت معركة مباراة مصر والجزائر جدلا واسعا داخل أوساط النخبة المصرية والجزائرية،‮ ‬واعتبرها البعض دليلا علي نهاية القومية العربية والعروبة،‮ ‬وفرصة لكي‮ ‬تعود مصر إلي‮ ‬مصريتها وأصولها الفرعونية،‮ ‬في‮ ‬حين وصف الإعلام الجزائري‮ ‬المصريين‮ "‬بآل فرعون‮" ‬كرمز للظلم والطغيان‮.‬ والحقيقة أن مصر اعتادت منذ اتفاقيات كامب دافيد أن تناقش مع كل أزمة كبري‮ ‬أو صغري‮ ‬قضية انتمائها القومي‮ ‬والعربي،‮ ‬وكأن قضايا الثقافة والهوية مرتبطة بمشكلة سياسية أو كروية أو فنية،‮ ‬فمع أي‮ ‬خلاف سياسي‮ ‬مع توجهات مصر‮ ‬يتحول الموضوع إلي‮ "‬حقد عربي‮ ‬علي مصر‮"‬،‮ ‬ومع تعثر المسلسلات المصرية أو تعرضها لمنافسة أو نقد داخل السوق العربية،‮ ‬تصبح القضية هي‮ "‬كراهية عربية للفن المصري‮" ‬يستلزم إنهاء علاقتنا بالعروبة،‮ ‬ومع تعصب بعض أو كثير من المشجعين الجزائريين‮ ‬يتحول الموضوع إلي‮ ‬مناقشة‮ "‬حقد الصغار علي الشقيقة الكبري مصر‮"‬،‮ ‬في‮ ‬تناقض صارخ بين الإصرار علي وصفها بالشقيقة العربية الكبري وفي‮ ‬نفس الوقت مطالبتها بقطع علاقتها بالعرب والقومية العربية‮. ‬ والحقيقة أن الخلل الرئيسي‮ ‬في‮ ‬التعامل الفكري‮ ‬والسياسي‮ ‬والإعلامي‮ ‬المصري‮ ‬مع القومية العربية،‮ ‬يكمن في‮ ‬أنه رد فعل علي الأحداث الجارية حتي صارت مباراة كرة القدم هي‮ ‬المحدد والبوصلة لخيارتنا ليس فقط السياسية إنما أيضا الثقافية والفكرية،‮ ‬واعتبر البعض أن العدوانية التي‮ ‬أبداها مشجعو الفريق الجزائري‮ ‬ضد مصر مؤشر علي نهاية القومية العربية‮. ‬ والحقيقة أن هذا الخطاب‮ ‬يبدو مضحكا وبليدا ليس فقط من الزاوية الفكرية والثقافية ولكن من الزاوية الواقعية والمصلحية البحتة،‮ ‬فهؤلاء الذين‮ ‬يتحدثون عن نهاية العروبة والقومية العربية‮ ‬يهربون من مواجهة الحقيقة المرة من أن‮ "‬معركة الجزائر‮" ‬ليس لها أي‮ ‬علاقة بالقومية العربية إنما بالفشل الوطني‮ ‬الداخلي‮ ‬في‮ ‬كلا البلدين،‮ ‬فإذا كان في‮ ‬الجزائر ديمقراطية حقيقية وقواعد مهنية وأخلاقية تحكم الإعلام لكانت الحساسيات مع مصر والرغبة العميقة في‮ ‬منافستها ستبقي‮ ‬بعيدا عن إرسال عاطلين وخارجين علي‮ ‬القانون للاعتداء علي مشجعيها،‮ ‬ولو أن في‮ ‬مصر ديمقراطية أو حتي حدا أدني‮ ‬من الكفاءة في‮ ‬الأداء لكان من المؤكد أننا سننجح في‮ ‬حماية المشجعين المصريين في‮ ‬الخرطوم بدلا من النحيب والبكاء علي ما تعرضوا له‮ ‬بعد فوات الأوان‮.‬ إن الفشل المصري‮ ‬والجزائري‮ ‬هو فشل وطني‮ ‬داخلي‮ ‬ليس له علاقة بالقومية العربية،‮ ‬فالعروبة ليست مشروعا أيديولوجيا كما‮ ‬يقول البعثيون وبعض القوميين حين ربطوها بمشاريع سياسية وأيديولوجية فاشلة،‮ ‬إنما هي‮ ‬انتماء ثقافي‮ ‬وحضاري‮ ‬يشعر فيه معظم مواطني‮ ‬البلاد العربية بأنهم‮ ‬مرتبطون بالمعني الواسع والرحب بنفس منظومة القيم والعادات والمفردات الثقافية التي‮ ‬تجعلهم عربا رغم تنوع خبراتهم التاريخية واعتزازهم بالتاريخ الوطني‮ ‬لكل بلد‮.‬ إن الاستفادة من هذا الإطار الثقافي‮ ‬أو تفعيله أمر‮ ‬يتعلق بقدرة النظم الوطنية علي بناء دول ديمقراطية تعرف مصالحها وتستثمر الروابط الثقافية مع جيرانها العرب لصالح التنمية والتقدم،‮ ‬ويمكنها أيضا ألا تستفيد منها وتتجاهلها لصالح الهتاف السياسي‮ ‬مع العروبة أو ضدها‮.‬ وإذا نظرنا إلي‮ ‬أوروبا سنجد أن الروابط الثقافية والدينية التي‮ ‬جمعتها لم تحل دون أن تكون حروبها بالأساس ضد بعضها البعض حين كانت هناك نظم سياسية فاشلة،‮ ‬فعرفت النازية والفاشية التي‮ ‬أدخلت القارة العجوز في‮ ‬حروب بلغ‮ ‬عدد ضحاياها ملايين البشر،‮ ‬وحين تغيرت هذه النظم بأخري ديمقراطية تتمتع بالكفاءة السياسية والاقتصادية بنت أوروبا وحدتها دون هتافات أو ضجيج حتي بلغ‮ ‬عدد دولها‮ ‬27‮ ‬دولة،‮ ‬ودون أن نسمع نشيدا واحدا‮ ‬يتحدث عن‮ "‬وطني‮ ‬الأكبر‮" ‬أو‮ "‬لبيك‮ ‬ياعلم العروبة‮" ‬أو‮ "‬يا حبيبتي‮ ‬يا مصر‮". ‬ وبالتالي‮ ‬فإن الانتماء إلي‮ ‬العروبة مثل المادة الأولية الخام لن‮ ‬يفعل إيجابا دون إرادة سياسية محلية،‮ ‬ولن‮ ‬يستفاد منه قبل أن توجد نظم وطنية قادرة علي الإنجاز في‮ ‬الداخل فتفعل دورها في‮ ‬الدائرة المحيطة بها،‮ ‬وتكتشف أن مصالح مصر في‮ ‬العمل الاقتصادي‮ ‬و السياسي‮ ‬المشترك مع السودان وليبيا وبلدان المشرق والخليج والمغرب العربي‮.‬ وبما أن العالم العربي‮ ‬كله لا‮ ‬يعرف نظاما سياسيا واحدا ديمقراطيا فكل تجارب التفاعل الصحي‮ ‬بين دوله بصورة تقوم علي المصلحة والاحترام المتبادل تعثرت،‮ ‬فالقومية العربية بمعناها الثقافي‮ ‬لا تقول لك تقبل الإهانة لأننا عرب،‮ ‬أو حارب حروبا لا تحقق مصلحتك الوطنية،‮ ‬فهذه كلها نماذج من‮ "‬العروبة الأيديولوجية‮" ‬التي‮ ‬انتهت،‮ ‬أما‮ "‬العروبة الثقافية‮" ‬فهي‮ ‬تلك التي‮ ‬تعطيك رحابة في‮ ‬الاختيار وتضع المسئولية علي النظم الوطنية فإذا أرادت أن تستفيد منها فستفعلها بشرط أن تكون هذه النظم ديمقراطية وكفئة‮.‬ إن القومية العربية ليس لها علاقة بأن‮ ‬يكون لدينا إعلام رياضي‮ ‬سيء ومتخلف لعب فيه لاعبي‮ ‬الكرة السابقين دورا تخريبيا في‮ ‬تشويه صورة مصر وسمعتها حين تحولوا إلي‮ ‬خبراء ومفكرين سياسيين،‮ ‬والقومية العربية ليس علاقة ببذاءات صحيفة الشروق الجزائرية التي‮ ‬كالت اتهامات وضيعة بحق المصريين،‮ ‬واستقبلنا نتيجة خيبة حكومتنا رئيس تحريرها الذي‮ ‬دخل مصر الأسبوع الماضي‮ ‬وأقام ندوة كبيرة في‮ ‬حين اكتفت الحكومة المصرية بفتح مزاد للطم الخدود والردح‮. ‬ ستظل مباراة مصر والجزائر دلالة فارقة عن حجم التدهور الذي‮ ‬أصاب مجتمعي‮ ‬البلدين،‮ ‬ودليل علي فشل داخلي‮ ‬كبير،‮ ‬وإصلاحه لن‮ ‬يكون بالبحث عن‮ "‬شماعة العروبة‮" ‬لأن المشكلة تكمن في‮ ‬الأداء الداخلي،‮ ‬فإذا تحسن وتطور وأنجز سيختار بمحض إرادته التفاعل الصحي‮ ‬مع جيرانه العرب،‮ ‬فالمهمة الأولي‮ ‬هي‮ ‬بناء مصر من الداخل،‮ ‬وعندها ستصبح مهابة ومؤثرة دون أن نحتاج إلي‮ ‬التحدث بكلمة لصالح أو ضد القومية العربية،‮ ‬أو نجتر أدوارا تاريخية نفد رصيدنا منها منذ عقود‮. ‬ ‮ ‬
   مقالات أخري للكاتب
حتي لا تفشل معركة السلام

انطلقت جولة المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في‮ ‬واشنطن بمشاركة مصرية أردنية ورعاية أمريكية،‮ ‬وعاد مرة أخري‮ ‬ملف الجدل والانقسام علي الساحة العربية بين النظم المعتدلة والممانعة،‮ ‬وانتعش خطاب المقاومة الرافض للمفاوضات السلمية،‮ ‬وقامت حماس بالفعل بعملية فدائية قتلت فيها‮ ‬4‮ ‬مستوطنين في‮ ‬الضفة الغربية‮ (‬وليس‮ ‬غزة‮)‬،‮ ‬بعد توقف امتد لسنوات،‮ ‬وذلك نكاية في‮ ‬السلطة الفلسطينية،‮ ‬ولإفشال المفاوضات التي‮ ‬اعتبروها مضيعة للوقت ولن تجلب للشعب الفلسطيني‮ ‬حقوقه ودولته المستقلة‮.‬ والحقيقة أن موقف حركة حماس وباقي‮ ‬المنظمات الإسلامية في‮ ‬فلسطين والعالم العربي‮ ‬من مفاوضات واشنطن‮ ‬يقوم أساسا علي رفض المسار السلمي‮ ‬ودعم المقاومة المسلحة كخيار وحيد أو رئيسي‮ ‬لإجبار إسرائيل علي الالتزام بقرارات الشرعية الدولية والانسحاب من الأراضي‮ ‬العربية المحتلة‮.‬ التفاصيل 
برامج رمضان وغسل العقول

حين‮ ‬يصل عدد المسلسلات التليفزيونية في‮ ‬شهر رمضان الكريم‮ ‬إلي‮ ‬51‮ ‬مسلسلاً،‮ ‬وتبلغ‮ ‬تكلفتها حوالي‮ ‬مليار جنيه،‮ ‬يصبح هناك خلل جوهري‮ ‬في‮ ‬طريقة تعامل المجتمع مع الشهر الفضيل،‮ ‬بدءا من منتجي‮ ‬المسلسلات ومن مثلوا فيها وانتهاء بالناس الذين انهمكوا في‮ ‬مشاهدتها أكثر من معايشة قيم هذا الشهر الكريم‮.‬ وقد اعتاد المصريون مشاهدة المسلسلات في‮ ‬شهر رمضان وفي‮ ‬غير شهر رمضان،‮ ‬وكان‮ ‬يمكن لأي‮ ‬شخص أن‮ ‬يشاهد كل المسلسلات‮ ‬حين كان الأمر مقصوراً‮ ‬علي مسلسلين أو ثلاثة أو حتي عشرة،‮ ‬ومعها فوازير ثلاثي‮ ‬أضواء المسرح أو نيللي أو شريهان،‮ ‬إلي‮ ‬أن جاء العصر الحالي،‮ ‬وأصبحت قنوات التليفزيون المصري‮ ‬تعاني‮ ‬من هذه التخمة العجيبة من أعداد المسلسلات التي‮ ‬لا‮ ‬يمكن لأي‮ ‬مواطن إذا جلس‮ ‬24‮ ‬ساعة أمام التليفزيون أن‮ ‬يتابع نصفها‮. ‬ التفاصيل 
ترتيبات ما بعد الانتخابات التشريعية‮ ‬2‮-‬2

تحدثنا في‮ ‬المقال السابق عن ثلاثة سيناريوهات محتملة قادمة لمرحلة ما بعد الرئيس مبارك،‮ ‬اثنان منهما من داخل النظام وهما مشروع التوريث،‮ ‬و وترتيبات‮ »‬الفيتو‮« ‬علي التوريث،‮ ‬والثالث مازال بعيدا،‮ ‬ويتمثل في‮ ‬نجاح القوي المدنية والديمقراطية في‮ ‬تغيير قواعد اللعبة السياسية الحالية لصالح بناء نظام سياسي‮ ‬أكثر ديمقراطية وانفتاحا،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬يتطلب بدوره شروطاً‮ ‬جديدة تعتمد علي نجاح هذه القوي‮ ‬في‮ ‬تطوير خطابها وتفعيل نشاطها وتحالفاتها في‮ ‬المرحلة القادمة‮. ‬ والحقيقة أن السيناريو الأول بدأ‮ ‬يظهر علي السطح بصورة‮ ‬غير مسبوقة،‮ ‬وشهدت مصر حملة دعاية تحمل صور جمال مبارك صاحبها حملة توقيعات من أجل ترشيحه ردا علي الحملة المليونية التي‮ ‬قام بها أنصار البرادعي‮ .‬ ولعل قيام أنصار جمال مبارك بحملة توقيعات خارج الأطر القانونية والدستورية التي‮ ‬وضعها حزبه الحاكم مؤشر أولا علي حالة من عدم الثقة والضيق بهذه الأطر،‮ ‬و‮ ‬يعترف ضمنا بتأثير الحراك السياسي‮ ‬الواقع خارج هذه الأطر الشرعية علي مجمل العملية السياسية‮.‬ التفاصيل 
‮ ‬ترتيبات ما بعد الانتخابات التشريعية‮ ‬

إذا كان من حق الأحزاب السياسية أن تتجادل وتختلف حول موقفها من الانتخابات التشريعية،‮ ‬وإذا كان من الواضح أن قرار المشاركة هو الراجح بالنسبة للأحزاب التي‮ ‬لديها مرشحون قادورون علي الفوز،‮ ‬إلا أن من المهم الوعي‮ ‬بأن الانتخابات القادمة لن تكون مثل انتخابات‮ ‬1984‮ ‬ولا‮ ‬2000‮ ‬ولا حتي‮ ‬2005،‮ ‬إنما هي‮ ‬انتخابات تسبق ترتيبات مرحلة جديدة،‮ ‬فهي‮ ‬تطوي‮ ‬صفحة وتفتح صفحة جديدة‮. ‬ وإذا استسلمت الأحزاب لحسابات الانتخابات وتربيطاتها وسقطت أو اضطرت أن تسقط في‮ ‬كثير من حساباتها وأخطائها،‮ ‬فانها لن تستطيع أن تلعب أي‮ ‬دور في‮ ‬صناعة هذا المستقبل،‮ ‬فالمطلوب منها أن تمتلك تصورا لدورها المستقبلي‮ ‬في‮ ‬هذه المرحلة الحساسة‮ ‬يتجاوز حسابات عدد المقاعد التي‮ ‬يمكن أن تحصل عليها،‮ ‬خاصة أنها‮ ‬غير قادرة علي تغيير قواعد اللعبة السياسية عبر انتخابات حرة أو‮ ‬غير حرة‮. ‬ التفاصيل 
12345678910...
الصفحة الرئيسيةاتصل بنا |  من نحن   |  اعلن معنا   |    حزب الوفد
جريدة الوفد - 2008 - جميع الحقوق محفوظة