تاريخ العدد: 2/9/2010   
بحث
أخر الأخبار:                           
  البحث عن إنسان جديد

استكمالاً‮ ‬لمقال الأسبوع الفائت نتوقف عند هذه النقطة الجوهرية لننهي بها عرض هذا الكتاب الشديد الأهمية‮: (‬الإنسان بين الجوهر والمظهر‮) ‬لمؤلفه الفيلسوف الألماني وعالم النفس الاجتماعي إريك فروم‮. ‬في هذه النقطة يبحث موضوع الإنسان الجديد والمجتمع الجديد‮. ‬فيبدأ حديثه بالربط المبدئي بين الدين والشخصية والمجتمع ليبحث موضوع التفاعل المتبادل بين التغيير الاجتماعي والتغيير الذي يحدث في الشخصية الاجتماعية،‮ ‬حيث يقرر بادئ ذي بدء أن الدوافع الدينية هي مصدر الطاقة الدافعة للرجال والنساء لإنجاز تغيير اجتماعي جذري‮. ‬ويترتب علي هذا ـ بتعبيره ـ أنه يستحيل الوصول إلي مجتمع جديد إلا إذا حدث تغيير عميق في الضمير الإنساني،‮ ‬إلا إذا ظهر شيء جديد يكرس الناس حياتهم من أجله،‮ ‬ويحل محل ما هو موجود حالياً‮ ‬ثم يخلص إلي أنه إذا صحت فكرة أن المنقذ الوحيد لنا من كارثة سيكولوجية واقتصادية هو إحداث تغيير أساسي في الشخصية الإنسانية من النمط السائد،‮ ‬نمط التملك،‮ ‬إلي نمط الكينونة فإن السؤال الذي يثار هو‮: ‬هل في الإمكان عملياً‮ ‬إحداث تغيير في الشخصية الإنسانية علي مقياس واسع،‮ ‬وإن كان ذلك ممكناً،‮ ‬فكيف يتم؟ يمكن تغيير الشخصية الإنسانية ـ يقول ـ إذا توافرت الشروط التالية‮: (‬1‮) ‬المعاناة مع وعي بأننا نعاني‮. (‬2‮) ‬الكشف عن الأصل في الحالة البيئية التي بسببها نعاني‮. (‬3‮) ‬أن نتبين أن ثمة مخرجاً‮ ‬من حالنا تلك‮. (‬4‮) ‬أن نقبل فكرة أنه لكي نتجاوز تلك الحال فإنه يجب علينا أن نتبع طرائق معينة في المعيشة،‮ ‬وأن نغير ممارستنا الحياتية الراهنة‮.‬ وتتلخص مهمة المجتمع الجديد في تشجيع تنشئة الإنسان الجديد،‮ ‬تنشئة الكائن الذي يتميز بناء شخصيته بالمميزات التالية‮: ‬الاستعداد لنبذ التملك بكل أشكاله لكي يحقق كينونته تحقيقاً‮ ‬كاملاً‮.. ‬الإحساس بالأمان وتكامل الشخصية والثقة القائمة كلها علي الإيمان بكينونته وبحاجته للانتماء،‮ ‬والشغف والحب والتكافل مع العالم المحيط به،‮ ‬لا نشوة التملك والاستحواذ،‮ ‬واحتواء العالم ومن ثم التحول إلي عبد لمقتنياته‮.. ‬القبول بحقيقة أن لا شيء خارج الإنسان ذاته،‮ ‬ولا أحد خارج الإنسان بذاته يستطيع أن يعطي الحياة معني‮. ‬وإنما الشرط الواجب توافره لجعل الحياة مليئة نشيطة مكرسة للرعاية والمشاركة هو التجرد والاستقلالية الخالصة‮.. ‬الحضور الكامل حيث يتواجد الإنسان وتكون الفرحة التي تغمر الإنسان حين يعطي ويشارك وليس حين يستغل أو يكتنز‮.. ‬محبة الحياة واحترامها في كل مظاهرها وتجلياتها وذلك علي ضوء اليقين بأن لا قداسة للأشياء أو السلطة،‮ ‬وكل ما لا روح فيه ولا حياة،‮ ‬وإنما القداسة هي للحياة ولكل ما يسهم في إنمائها‮.. ‬محاولة الحد من الشراهة والكراهية والأوهام بقدر الإمكان،‮ ‬والحياة بغير عبادة الأصنام والأوهام لأن الإنسان وصل إلي حالة تتطلب الاستعانة بالأوهام‮.. ‬تنمية قدرة الإنسان علي الحب،‮ ‬مع تنمية قدرته في الوقت نفسه علي التفكير النقدي‮ ‬غير الانفعالي‮.. ‬نبذ عشق الذات‮ (‬النرجسية‮) ‬والقبول بالحدود المأساوية الكامنة في حالة الوجود الإنساني‮.. ‬اعتبار النضج الكامل للذات وللجماعة هو الهدف الأسمي للحياة‮.. ‬معرفة أنه من أجل تحقيق هذا الهدف،‮ ‬فالانضباط واحترام الحقيقة ضروريان ـ معرفة أن النمو لا يكون صحياً‮ ‬إلا إذا حدث ذلك في إطار بناء معين،‮ ‬والتحقق أيضاً‮ ‬من أن ثمة اختلافاً‮ ‬بين البناء كإطار للحياة،‮ ‬والنظام الجامد كإطار لما هو مجاف للحياة،‮ ‬أي للموت‮.. ‬تنمية خيال الإنسان،‮ ‬لا كوسيلة للهروب من الظروف‮ ‬غير المحتملة،‮ ‬وإنما كاستشراف للإمكانات الواقعية للمستقبل،‮ ‬أي كوسيلة لإنهاء الظروف‮ ‬غير المحتملة‮.. ‬عدم خداع الآخرين،‮ ‬وعدم السماح للآخرين بخداع الذات،‮ ‬فالبراءة لا تعني السذاجة‮.. ‬معرفة الإنسان ذاته ليست الذات المعروفة فحسب،‮ ‬وإنما أيضاً‮ ‬الذات‮ ‬غير المعروفة حتي لو كانت هذه المعرفة‮ ‬غير واضحة تماماً‮.. ‬الإحساس بالتوحد مع الحياة بكامل تجلياتها،‮ ‬ومن ثم نبذ هدف قهر الطبيعة وإخضاعها واستغلالها وانتهاكها وتدميرها،‮ ‬وإنما الهدف هو فهم الطبيعة والتكافل معها‮.. ‬الحرية،‮ ‬ليست بمعني الاختيار التحكمي،‮ ‬وإنما بمعني إمكانية أن يكون الإنسان تحقيقاً‮ ‬لذاته،‮ ‬ليس كحزمة من الرغبات الشرهة،‮ ‬وإنما كبناء قائم علي توازنات حساسة مواجهة في كل لحظة بالاختيار بين الحياة والموت‮.. ‬معرفة أن الشر والنزوع للتدمير ليس إلا نتيجة الإخفاق في اختيار سبيل النمو والنضج‮. ‬معرفة أنه لا يحقق الكمال في تحقيق هذه الصفات إلا القلة القليلة،‮ ‬ومع ذلك فلا يجب الاستسلام لإحساس بطموح جامح لبلوغ‮ ‬الهدف،‮ ‬حيث إن مثل هذا الطموح ليس إلا شكلاً‮ ‬من أشكال الشراهة وشهوة التملك‮.. ‬تحقيق السعادة خلال التنمية المستمرة لحيوية الإنسان بغض النظر عن المستوي المقدر للإنسان أن يصل إليه،‮ ‬لأن ما يحققه الإنسان في حياته العامرة بأقصي قدراته يحقق من الرضا ما لا مجال لزيادته‮.‬ ويذكر إريك فروم بعضاً‮ ‬من المعضلات والمشكلات التي علي بناء المجتمع الجديد أن يجد لها حلاً،‮ ‬يقول‮: ‬عليه أن يجد حلاً‮ ‬لمشكلة استمرار النمط الصناعي للإنتاج بغير المركزية الشاملة أي بغير الانتهاء إلي فاشية من الطراز القديم أو ـ كما هو الأرجح ـ إلي فاشية تكنولوجية تضع علي وجهها ابتسامة‮.. ‬عليه أن يجمع بين نوع من التخطيط العام ودرجة عالية من اللامركزية وينبذ تماماً‮ ‬فكرة اقتصاديات السوق الحرة التي لم تصبح إلا خرافة‮.. ‬عليه أن يخلق شروط عمل،‮ ‬ومناخ روح عام،‮ ‬يجعل الرضا المعنوي والنفسي أساساً‮ ‬للحوافز الفعالة وليست المكاسب والأرباح المادية‮.. ‬عليه أن يسير قدماً‮ ‬لتشجيع التقدم العلمي،‮ ‬ولكن عليه في الوقت نفسه أن يمنع هذا التقدم من أن تتحول تطبيقاته العملية إلي خطر علي الجنس البشري‮.. ‬عليه أن يخلق الظروف التي يمارس الإنسان في ظلها نعمة الحياة الطيبة الصالحة والفرحة الصافية،‮ ‬لا إشباع الحد الأقصي لدوافعهم الشهوانية‮.. ‬عليه أن يوفر متطلبات الأمن والأمان الأساسية لأفراده دون أن يحولهم إلي أتباع لبيروقراطية نظمهم‮.. ‬عليه أن يوفر فرصاً‮ ‬وإمكانات للمبادرة الفردية،‮ ‬والأحري أن يكون ذلك في المجال المعيش الحياتي عنه في مجال المال والأعمال‮.‬ ثم يقول‮: ‬هذه المعضلات تبدو‮ ‬غير قابلة للحل الآن،‮ ‬كما كان كثير من المعضلات التكنولوجية تبدو مستحيلة الحل في أوقات سابقة من تاريخ التطور التكنولوجي‮ ‬غير أن معضلات التكنولوجيا أمكن إيجاد حلول لها بفضل إنشاء علم جديد يري أن ملاحظة الطبيعة ورصدها ومعرفتها هي الشروط اللازمة للهيمنة عليها‮.. ‬ها نحن الآن بحاجة إلي علم جديد مختلف تمام الاختلاف،‮ ‬علم إنساني لدراسة الإنسان وقضاياه المصيرية يكون أساساً‮ ‬لعلوم وفنون تطبيقية في مجال إعادة البناء الاجتماعي‮.‬
   مقالات أخري للكاتب
منهج التفسير الأدبي للقرآن

كان الشيخ أمين الخولي‮ - ‬أحد أهم بناة العقل المصري والعربي في القرن العشرين‮ - ‬من أنصار التفسير الأدبي للقرآن الكريم،‮ ‬بل لعله مؤسس لهذا المنهج،‮ ‬حيث‮ »‬أمضي دهراً‮ ‬طويلاً‮ ‬يدرس القرآن في كلية الآداب بالجامعة علي أنه كتاب العربية الأكبر،‮ ‬وتاج أدبها العالي،‮ ‬ويلتمس المناهج المحررة للتفسير الأدبي‮«.. ‬وبرغم ضخامة حجم الشيخ أمين الخولي العلمي والفكري فإنه لم يخلف كتباً،‮ ‬بل خلف أجيالاً‮ ‬كثيرة صاروا من عظماء البحث العلمي والأدب والشعر والنقد لعل من أشهرهم الدكتور عبدالحميد يونس والدكتور شكري عياد والدكتور عزالدين إسماعيل والدكتور كامل سعفان والشاعر صلاح عبدالصبور والأديب المذيع الباحث الفلكلوري فاروق خورشيد والدكتور مصطفي ناصف وغيرهم وغيرهم،‮ ‬ولم يكن مدرج الجامعة هو المكان الوحيد الذي يلتقي فيه الأستاذ طلابه، التفاصيل 
إغاثة الأمة بكشف الغُمة

يعتبر المقريزي من أعظم مؤرخي مصر الإسلامية،‮ ‬لقد تألق في القرن التاسع الهجري،‮ ‬ولايزال يتألق حتي اليوم بفضل عبقريته النادرة وتميزه وغزارة علمه بين المؤرخين،‮ ‬لا‮ ‬غدو فإنه أنجب وأبكر تلاميذ ابن خلدون،‮ ‬ولئن كان القرن التاسع الهجري هو عصر ازدهار الكتابة التاريخية بوجه عام بظهور عدد كبير من المعنيين بالتاريخ،‮ ‬فلقد كان المقريزي أبرزهم بعقليته الكبيرة القادرة علي ربط النتائج بالأسباب في نظرة شمولية خبيرة بالحياة،‮ ‬ولسوف تبقي خطط المقريزي حتي آخر الزمان عملاً‮ ‬من أعمال العلم العظيم يرجع إليه الدارسون كلما أرادوا تأصيل الزمان في المكان‮.‬ التفاصيل 
مثال فذ للشيخ المستنير

أدمنت قراءة الشيخ عبدالعزيز البشري،‮ ‬أصبحت أتعاطاه،‮ ‬لا كمخدر يزين الأشياء في ناظري لوقت يقصر أو يطول،‮ ‬بل كإكسير للحياة،‮ ‬كنبع الحكمة والفن والفكر الإنساني النبيل،‮ ‬منه نتعلم الأدب الحق،‮ ‬ومسئولية الكلمة،‮ ‬والدقة في التعبير،‮ ‬والفكاهة الراقية،‮ ‬والرسم بريشة القلم،‮ ‬لقد كان أحد أهم أمراء البيان في عصره منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين،‮ ‬حقق حضوراً‮ ‬قوياً‮ ‬جداً‮ ‬في الصحافتين الثقافية والسياسية،‮ ‬حيث كان يكتب بانتظام في مجلة‮ »‬الرسالة‮« ‬لصاحبها ورئيس تحريرها أحمد حسن الزيات،‮ ‬وفي جريدة‮ »‬السياسة‮« ‬التي كان يرأس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل التفاصيل 
الشاعر الذي آثر السلامة‮!‬

جاءت سيرة الشاعر الصعيدي حجاج الباي في مقالي السابق عن الشاعر عبدالرحيم منصور الذي مرت ذكراه منذ عشرة أيام دون أن يلتفت إليها أحد سوي محطة الأغاني المصرية‮. ‬غير أن سيرة الأصدقاء‮ - ‬الراحلين منهم بوجه خاص‮ - ‬تأبي أن تكون عابرة ذلك أنني ما كدت أنتهي من قراءة المقال حتي رأيت شخصية حجاج الباي شاخصة ماثلة في ناظري‮: ‬القوام الفارع النحيل كفرع من الجزورين يتهادي مقبلاً‮ ‬نحوي‮. ‬انبثق في رداء الظل ضوء فخاري لامع ما لبث حتي تجسد في وجه حجاج،‮ ‬الرقبة الطويلة برأسها الدقيق المدور تدويرة القلل القناوي‮. ‬وجه منحوت بأزميل فرعوني حاد إلي حد القسوة والرقة معاً‮! ‬الصلابة والمرونة‮. ‬سمت الوجه الذي تظنه قد من فخار محروق،‮ التفاصيل 
12345678910...
الصفحة الرئيسيةاتصل بنا |  من نحن   |  اعلن معنا   |    حزب الوفد
جريدة الوفد - 2008 - جميع الحقوق محفوظة