أسسها عادل القاضي - عادل صبري

سجل بالوفد الآن لتتمكن من الاحتفاظ باسمك فى التعليقات وتنشر الأخبار والآراء والشكاوى وترفع صورتك الشخصية






إضغط هنا لإعادة ضبط الموقع واسترجاع مواضع البلوكات الأصلية

شارك

أوراق ثقافية من ملف الستينيات

خلال شهور قليلة وبمسافات متقاربة اختفي ثلاثة من ألمع مبدعي جيل الستينيات من القرن الماضي، كان أولهم القاص والروائي والحكاء العظيم «خيري شلبي» الذي رحل يوم 9 سبتمبر من العام الماضي «73 عاماً»

ثم تلاه الشاعر والمترجم والناقد والمؤلف المسرحي والأستاذ الجامعي الدكتور «يسري خميس» الذي رحل يوم 15 أكتوبر عام 2011 عن عمر يناهز 75 عاماً، وكان الثالث هو الروائي والقاص والكاتب الصحفي «إبراهيم أصلان» الذي رحل في السابع من يناير من العام الحالي، حيث كان سيكمل عامه الـ 77 في مارس القادم.
ينتمي المبدعون الثلاثة إلي الجيل الذي صنع ازدهاراً أدبياً وثقافياً في المجالات التي كانوا يبدعون فيها، والذي صنع نهضة ثقافية وفنية في مجالات أخري كثيرة بينها السينما والمسرح والفن التشكيلي والموسيقي والدراما التليفزيونية والفنون الشعبية، علي نحو يدفع كثيرين للحكم بأنه كان أكثر عقود القرن الماضي إنجاباً للمواهب، وتهيئة لفرص التوهج والتأثير أمامها، وشاءت الظروف أن أتعرف علي الثلاثة، وأن اقترب منهم بدرجات متفاوتة، وكان رحيلهم مناسبة للتأمل فيما بين الشخصيات الثلاث من تشابهات وتناقضات، فالثلاثة «شلبي» و«خميس» و«أصلان» يتشابهون إلي حد كبير في أصولهم الاجتماعية، فهم ينتمون إلي الشرائح الدنيا من الطبعة الوسطي الصغيرة، وفيما ولد وعاش «يسري خميس» في القاهرة فقد ولد «خيري شلبي» و«إبراهيم أصلان» في قري فقيرة ولأسر شبه معدمة، لا تملك إلا قوة عملها، وإصرارها الذي لا يلين، علي أن تهيئ لأبنائها مستقبلاً أفضل مما هيئته لها الأقدار، فدفعت لهم إلي الكتاتيب ومدارس التعليم الإلزامي، الذي قال وزير المعارف العمومية «طه حسين» إنه حق للجميع كالماء والهواء، فأتاح لهم هذا أن يفكوا الخط وأن يقرأوا، وحين أتيح لهم أن يمارسوا الإبداع، انتموا للطبقات الفقيرة التي انحدروا منها، وتأثروا بها وانحازوا إلي مصالحها، والتقطوا نماذجها من واقع الحياة.
ومع أن الحياة كانت أكثر سخاء مع «يسري خميس» حين أتاحت له أن يكمل تعليمه في كلية الطب البيطري وأن يصبح أستاذاً لامعاً بها، وأن يكمل تعليمه لنيل الدكتوراه في الدول الأوروبية، إلا أن ظروف الحياة حالت بين «خيري شلبي» و«إبراهيم أصلان» وبين إكمال تعليمهما.
واضطر كل منهما إلي الخروج إلي سوق العمل مبكراً ليمارس مهناً، أتاحت لهما أن يختلطا بشرائح أخري من الفقراء والمعدمين ومتابعة معركتهم الباسلة من أجل البقاء ومواصلة الحياة، ولم يكن صدفة أن يتبوأ موقع البطولة من أعمالهم الإبداعية «الإنسان العادي».
وسوف نجد تأثير هذه التجربة الحياتية المتخمة بالفشل وبالنجاح وبالخيبة والأمل وبالأحزان والأفراح القليلة في أعمالهما التي تزدحم بشخصيات تبدو عادية وخالية مما يعتبره البعض سمات العظمة، لكنها عظيمة بأحلامها الكبيرة بحياة أفضل، وبالتفاؤل بالقدرة علي الصمود في معركة الحياة الضارية.
أما «يسري خميس» فقد قاده إيمانه بقدرة الشعوب الدائمة علي الانتصار علي ظالميها، إلي تقديم أولى ترجمات عربية عن النص الألماني لمسرح برتولدبريخت الثوري، كما نقل إلي العربية مسرحيات بيتر فايس ودورنمات وقصص كافكا في لغة بالغة الرقة والجمال، وتشكل في حد ذاتها إبداعاً يضاهي النص الأصلي، لم يكن التحاق د. يسري بكلية الطب البيطري صدفة، بل الأغلب أنه كان اختياراً فقد أحب الحيوانات والطيور وتأمل بشكل فلسفي الخلافات فيما بينها، وألوانها وأنواعها، وترجم كل ذلك في مشاركته في كتابه «موسوعة مجلة العربي الكويتية للطيور والحيوانات» مستخدماً لغته الشعرية كرائد من رواد قصيدة النثر، لتقديم سيرة حياة بالغة الرقة والبساطة لتلك الكائنات.. كان «العدل» هو مبتغاه الأول والأخير في كتابة الشعر والكتابة للأطفال، وفي كتاباته النثرية، وحين قدم نوعاً جديداً من المسرح الثوري، مجدداً في الشكل المسرحي، ومدافعاً عن كل المظلومين في الأرض، وكان الشباب هو أحد هموم واهتمامات «يسري خميس» الكبري، حيث انشغل دوماً بتهيئة الطريق لاستنبات مواهب جديدة للوطن من خلال تجربته الرائدة في المسرح الجامعي.
وخلال رحلة حياتية قاسية، ولم تكن تخلو من العراقيل والمنغصات، نجح كل من الثلاثة في المحافظة علي موهبته، وتعهدها كل منهم بالرعاية وبالثقافة، وبرغم قسوة الظروف، وجدوا أنفسهم في مناخ سياسي واجتماعي حفزهم علي إتقان عملهم، وأتاح لهم فرصة لم تكن متسعة بالقدر الكافى، لكنها لم تكن مغلقة تماماً لنشره وتقديمه للجمهور.
وحين كان الزمن منتصف الخمسينيات ومنتصف الستينيات، كانت مصر تستكمل معركتها ضد الأحلاف الأجنبية، من أجل تثبيت الاستقلال، وتنمية الاقتصاد، وتبحث لنفسها ولأمتها العربية ولدول ما كان يعرف آنذاك بدول العالم الثالث، عن مكانة علي خارطة الدنيا والعالم، وتصون مصالحها، وتحقق لشعوبها فرصاً في الحياة الكريمة وفي العدل الاجتماعي، من خلال مشروعات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقلة.
وفي هذا السياق، دخلت الثقافة لأول مرة، ضمن منظومة الخدمات العامة، التي تلتزم الدولة بتقديمها للمواطنين، فتأسست وزارة الثقافة، وبدأت تصدر مجلات ثقافية، وسلاسل شعبية من الكتب، وتنشئ معاهد للسينما والمسرح والباليه والموسيقي تفتح أبوابها للمواطنين بأسعار رمزية، وتدعم الدولة أسعار المجلات الثقافية والكتب وتذاكر السينما والمسرح، وتطوف بمعظم هذه الخدمات القري والنجوع، عبر ما كان يعرف بقوافل الثقافة الجماهيرية. وفي هذه الأثناء توهجت أسماء تنتمي لجيل الأربعينيات بينهم طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وعبدالرحمن الشرقاوي ويوسف الشاروني وبنت الشاطئ وسعد مكاوى ونعمان عاشور وألفريد فرج وكثيرون غيرهم، وأتيحت لأعمالهم أن تنتقل إلي شاشة السينما وخشبة المسرح، وأن تطبع كتبهم فى طبعات شعبية. والتحق بهذا الجيل المواهب التي لمعت في عقد الستينيات وبينهما فؤاد حداد وصلاح جاهين وأحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل ويوسف إدريس وعبدالحكيم قاسم وعبدالرحمن الأبنودي وسيد حجاب وجمال الغيطاني ويوسف القعيد ومحمد البساطى وصبري موسي وعبدالله الطوخي وصلاح حافظ ومحمود دياب ومصطفي محمود وأسامة أنور عكاشة ومحفوظ عبدالرحمن ونجيب سرور وكرم مطاوع وسعد أردش وجلال الشرقاوي وأحمد عبدالحليم وعبدالوهاب محمد، وعشرات غيرهم، وصدرت مجلات «المجلة» و«الفكر المعاصر» و«الأدب» و«القصة» و«المسرح» وجاليري 68، وتخلق تيار إبداعي متنوع، جدد لغة الشعر والمسرح والرواية والقصة، وازدهرت حركة الترجمة، وعرفت مصر مشروع الألف كتاب الأول الذي أشرف عليه الدكتور «طه حسين».
وفي هذه الفترة حدث الامتزاج بين الثقافة المصرية والثقافة العربية، فعرف المثقفون المصريون مجلات الآداب، وبدأوا يقرأون روايات لحنا مينا وسهيل إدريس وكوليت خوري وعبدالرحمن منيف، ويقرأون أشعار نزار قباني ونازك الملائكة، وعبدالوهاب البياتى وبدر شاكر السياب والجواهري، ويسمعون أغانى فيروز وألحان الأخوين رحبانى، ويتعرفون علي أفكار ميشيل عفلق وخالد بكداش... إلخ.
والظاهرة التي تلفت النظر أن عقد الستينيات، كان يوجه إليه نقد أساسي، وهو أنه كان يفتقد للقدر الكافى من الديمقراطية السياسية، وشهد نوعاً من الحكم، كانت السلطة التنفيذية فيه، تلقي بقبضتها علي الحريات العامة، كما شهد حملات اعتقال واسعة، جمعت بين الشيوعيين والإخوان المسلمين والليبراليين، ومع ذلك فقد كان يتسع لدرجة واسعة من حريات الإبداع الأدبي والفني والفكري، علي نحو أربك كثيرين من المحللين الذين أدهشهم هذا التناقض، لكن الحقيقة تؤكد أن التضييق علي الحريات العامة بين بداية الخمسينيات ومنتصف الستينيات، كان يقتصر علي الحريات السياسية وبالتحديد حرية التنظيم وإلي حد ما حرية الفكر السياسي، لاعتقاد قادة ثورة يوليو، أن الصراع علي هذه الجبهة بالتحديد، هو صراع علي السلطة بشكل أساسي، أما فيما يتعلق بحريات الإبداع الأدبى والفني، فقد كان النظام يتعامل معها بشكل واسع من التسامح، وربما بذكاء سياسي، ينطلق من إدراك أن إتاحة الفرصة للحرية علي هذا الجانب، يمكن أن يكون تعويضاً علي التضييق علي حرية التنظيم والفكر السياسي.
وهكذا أصبحت الكتابة الأدبية منفذاً للتعبير عن الحريات السياسية الناقصة، وتحولت عروض المسرح إلي ما يشبه كباريه سياسي معارض لسياسات النظام. وأخذت الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح تفكك طلاسم الواقع وتعيد قراءاته، وتتجه نفس الاتجاه، الذي ساهم بدور كبير في تخليق وعي جديد لدي المواطنين.
في ظل هذا المناخ لمع إبداع خيري شلبي ويسري خميس وإبراهيم أصلان، والسمات المشتركة التي جمعت بينهم، أنهم شخصيات دءوبة تسعى لإتقان عملها، وتجد متعة في تحقيق هذا الإتقان، وأنها بنت أسماءها بالعرق وبالجهد وبالإخلاص للموهبة، وأنها برغم موهبتها الكبيرة كانت تتسم بقدر كبير من التواضع وطيبة القلب وكرم النفس والترفع عن الصغائر.
وبرحيل هؤلاء الثلاثة الكبار، يسود قلق شديد علي حريات الإبداع الأدبي والفني والفكرى، وتنتاب كثيرين مخاوف من أن مصر تتجه نحو إغلاق هذه النوافذ والتضييق عليها باسم التفسير المتعصب والجاهل للدين، وتسود أجواء من التشاؤم لاسيما بعد صدور تصريحات مفزعة علي هذا الصعيد من ممثلي تيارات إسلامية متشددة صعدت إلي سدة البرلمان.
لكن الشيء المؤكد أن بلداً مثل مصر بنت حضارة في فجر التاريخ وبدأته وتركت تراثاً ثقافياً رفيعاً من الحضارات الفرعونية والرومانية واليونانية والقبطية والعربية والإسلامية، لا يستطيع أحد أن يمنع شعبها من أن يواصل مسيرته الحضارية، وأن يملأ الدنيا إبداعاً، مثلما ملأها «خيري شلبي» و«يسري خميس» و«إبراهيم أصلان».

 

Email طباعة المحتوى
Email أرسل المحتوى الى صديق

مقالات الرأي

   

أسعار الذهب

أسعار الذهب اليوم AED-الإمارات AFN-أفغانستان ALL-البانيا AMD-أرمينيا ANG-جزر الأنتيل AOA-أنجولا ARS-الأرجنتين AUD-أستراليا AWG-أروبا AZN-أزربيجان BAM-البوسنة و الهرسك BBD-بربادوس BDT-بنجلاديش BHD-البحرين BIF-بوروندي BMD-برمودا BND-بروناي BOB-بوليفيا BRL-البرازيل BSD-جزر البهاما BTN-بوتان BWP-بوتسوانا BYR-روسيا البيضاء BZD-بليز CAD-كندا CHF-سويسرا CLP-شيلي CNY-الصين COP-كولومبيا CRC-كوستاريكا CUP-كوبا CVE-الرأس الأخضر CYP-قبرص CZK-جمهورية التشيك DJF-جيبوتي DKK-الدنمرك DOP-جمهورية الدومينيكان DZD-الجزائر EEK-استونيا EGP-مصر ERN-اريتريا ETB-اثيوبيا EUR-الاتحاد الأوروبي FKP-جزر فوكلاند GBP-المملكة المتحدة GEL-جورجيا GHS-غانا GIP-جبل طارق GMD-غامبيا GNF-غينيا GTQ-جواتيمالا GYD-جويانا HKD-هونج كونج HNL-هندوراس HRK-كرواتيا HTG-هايتي HUF-المجر IDR-اندونيسيا ILS-فلسطين INR-الهند IQD-العراق IRR-ايران ISK-ايسلندا JMD-جامايكا JOD-الأردن JPY-اليابان KES-كينيا KGS-قيرغيزستان KHR-كمبوديا KMF-جزر القمر KPW-كوريا الشمالية KRW-كوريا الجنوبية KWD-الكويت KYD-جزر كايمان KZT-كازاخستان LAK-لاوس LBP-لبنان LKR-سيريلانكا LRD-ليبيريا LSL-ليسوتو LTL-ليتوانيا LVL-لاتفيا LYD-ليبيا MAD-المغرب MDL-مولدوفا MGA-مدغشقر MGF-مدغشقر MKD-مقدونيا MMK-ميانمار MNT-منغوليا MOP-ماكاو MRO-موريتانيا MTL-مالطة MUR-موريشيوس MVR-جزر المالديف MWK-ملاوي MXN-المكسيك MYR-ماليزيا MZN-موزمبيق NAD-ناميبيا NGN-نيجيريا NIO-نيكاراغوا NOK-النرويج NPR-نيبال NZD-نيوزيلندا OMR-عمان PAB-بنما PEN-بيرو PGK-بابوا غينيا الجديدة PHP-الفلبين PKR-باكستان PLN-بولندا PYG-باراغواي QAR-قطر ROL-رومانيا RON-رومانيا RSD-صربيا RUB-روسيا RWF-رواندا SAR-السعودية SBD-جزر سليمان SCR-سيشيل SDG-السودان SEK-السويد SGD-سنغافورة SHP-سانت هيلينا SIT-ليوبليانا SKK-سلوفاكيا SLL-سيراليون SOS-الصومال SRD-سورينام STD-ساو تومي وبرينسيبي SVC-السلفادور SYP-سوريا SZL-سوازيلاند THB-تايلند TJS-طاجاكستان TMT-تركمانستان TND-تونس TOP-جزر تونجا TRY-تركيا TTD-ترينداد و توباجو TWD-تايوان TZS-تنزانيا UAH-أوكرانيا UGX-أوغندا USD-الولايات المتحدة UYU-أوروجواي UZS-أوزبكستان VEF-فنزويلا VND-فيتنام VUV-فانواتو WST-ساموا XAF-وسط أفريفيا XCD-سانت كيتس XOF-غرب أفريفيا XPF-المستعمرات الفرنسية YER-اليمن YUM-يوغوسلافيا ZAR-جنوب أفريقيا ZMK-زامبيا ZRN-زائير ZWD-زيمبابوي
بالجنيه المصري
الاوقية 9,572.45 
جنيه ذهب 2,154.57
جرام 24 307.80
جرام 22 282.12
جرام 21 269.27
جرام 18 230.77
جرام 14 179.60
آخر تحديث 22/05/2012 09:00 am بتوقيت مدينة القاهرة
ملحوظة : أسعار الذهب بالجنيه المصرى وتحدث كل نصف ساعة

جميع الحقوق محفوظة لبوابة الوفد الإلكترونية. تصميم وتطوير مسلم تكنولوجى